ابن تيمية
173
مجموعة الفتاوى
الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي حَقّاً فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي } فَهَذَا فِي رُؤْيَةِ الْمَنَامِ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ فِي الْمَنَامِ تَكُونُ حَقّاً وَتَكُونُ مِن الشَّيْطَانِ فَمَنَعَهُ اللَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ بِهِ فِي الْمَنَامِ وَأَمَّا فِي الْيَقَظَةِ فَلَا يَرَاهُ أَحَدٌ بِعَيْنِهِ فِي الدُّنْيَا . فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْمَرْئِيَّ هُوَ الْمَيِّتُ فَإِنَّمَا أُتِيَ مِنْ جَهْلِهِ وَلِهَذَا لَمْ يَقَعْ مِثْلُ هَذَا لِأَحَدِ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ . وَبَعْضُ مَنْ رَأَى هَذَا - أَوْ صَدَّقَ مَنْ قَالَ أَنَّهُ رَآهُ - اعْتَقَدَ أَنَّ الشَّخْصَ الْوَاحِدَ يَكُونُ بِمَكَانَيْنِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَخَالَفَ صَرِيحَ الْمَعْقُولِ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هَذِهِ رَقِيقَةُ ذَلِكَ الْمَرْئِيِّ أَوْ هَذِهِ رُوحَانِيَّتُهُ أَوْ هَذَا مَعْنَاهُ تَشَكَّلَ وَلَا يَعْرِفُونَ أَنَّهُ جِنِّيٌّ تَصَوَّرَ بِصُورَتِهِ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ مَلَكٌ وَالْمَلَكُ يَتَمَيَّزُ عَنْ الْجِنِّيِّ بِأُمُورِ كَثِيرَةٍ وَالْجِنُّ فِيهِمْ الْكُفَّارُ وَالْفُسَّاقُ وَالْجُهَّالُ وَفِيهِمْ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّبِعُونَ لِمُحَمَّدِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً فَكَثِيرٌ مِمَّنْ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ هَؤُلَاءِ جِنٌّ وَشَيَاطِينُ أَرْسِلَانِ مَلَائِكَةً . وَكَذَلِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الْكَوَاكِبَ وَغَيْرَهَا مِن الأَوْثَانِ تَتَنَزَّلُ عَلَى أَحَدِهِمْ رُوحٌ يَقُولُ هِيَ رُوحَانِيَّةُ الْكَوَاكِبِ وَيَظُنُّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِن المَلَائِكَةِ وَإِنَّمَا هُوَ مِن الجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ يُغْوُونَ الْمُشْرِكِينَ . وَالشَّيَاطِينُ يُوَالُونَ مَنْ يَفْعَلُ مَا يُحِبُّونَهُ مِن الشِّرْكِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ . فَتَارَةً يُخْبِرُونَهُ بِبَعْضِ الْأُمُورِ الْغَائِبَةِ لِيُكَاشِفَ بِهَا . وَتَارَةً يُؤْذُونَ مَنْ يُرِيدُ أَذَاهُ بِقَتْلِ وَتَمْرِيضٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ .